الصدق مع الله تعالى باب التوفيق
الحمد لله الذي خلق فسوَّى، وقدَّر فهدى، أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، فيه ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وما شاء من شيء بعد، وأصلي وأسلم على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين؛ أما بعد:
فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلن؛ فهي خير زينة لكم في دنياكم، وخير زاد لمعادكم؛ ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 26].
أيها المسلمون: مما ورد في السنة المصدر الثاني للتشريع؛ عن شداد بن الهاد رضي الله عنه: ((أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فآمن به واتبعه، وقال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة، غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أشياء، فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء، دفعوا إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، ما هذا؟ قال: قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أُرمَى ها هنا، وأشار إلى حلقه بسهمٍ فأموت وأدخل الجنة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن تصدُقِ الله يصدقْكَ، فلبثوا قليلًا، ثم نهضوا إلى العدو، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه، وكفَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبةٍ، ثم قدمه فصلى عليه، فكان مما ظهر من صلاته عليه: اللهم إن هذا عبدك، خرج مهاجرًا في سبيلك، فقُتل شهيدًا، أنا شهيد عليه))؛ [رواه الطبراني والنسائي بإسناد صحيح].
عباد الله: مدار هذا الحديث الشريف على أمر عظيم؛ ألا وهو الصدق مع الله تعالى؛ وذلك بأن تكون نية المرء ومقصده ما عند الله تعالى من فضل لا يملكه إلا هو جل وعلا، فيحسن سريرته التي لا يطلع عليها ويعلمها إلا هو جل وعلا، ولنا مع هذا الحديث بعض الوقفات:
أيها الفضلاء؛ كم من إنسان يتمنى اللحاق بركب الموفقين للخير من حفظٍ لكتاب الله تعالى، أو قيام الليل، أو كثرة صيام النوافل، أو المحافظة على الحضور للمسجد عند سماع النداء أو طلب العلم الشرعي، أو الدعوة إلى الله تعالى، أو دوام الذكر لله تعالى، ونحو ذلك من سبل الخير المتعددة، ويمضي به العمر، وتمر به السنوات تلو السنوات، ولم يتحقق له شيء مما تمنى ورجا، إن السبب في ذلك - أيها المباركون - غياب الصدق مع الله، فلو صدق ذلك الإنسان مع الله تعالى حقًّا فيما رجا وتمنى، لنال مراده، وإنما كان ما أراد أمانيَّ، علِم الله عدم الصدق فيها، فلم يوفق صاحبها لمراده ويَنَلْ مبتغاه.
أيها المسلمون؛ كم من إنسان يعد نفسه ويمنيها بالإقلاع، وهجران بعض المعاصي والمحرمات التي يأتيها كشرب الدخان أو الشيشة، أو سماع الغناء أو الإسبال، أو حلق اللحية أو مشاهدة النساء الأجانب، والأفلام الماجنة، وغير ذلك من صور المحرمات، وهو واقع في ذلك المحرم سنوات طوال، وربما هجره لفترة قصيرة، ورجع إليه، وهو باقٍ على هذا الضلال والإثم، وقد يُختَم له به، والعياذ بالله، إن السبب في ذلك - أيها المباركون - غياب الصدق مع الله تعالى في الرغبة بالإقلاع والتوبة، فلو صدق ذلك الإنسان مع الله تعالى حقًّا لنال مراده، وإنما كان ما أراد أمانيَّ، علم الله عدم الصدق فيها، فلم يوفَّق صاحبها لمراده، وينل مبتغاه.
إخوة الإيمان؛ كم من إنسان يطلب وظيفة يسد بها حاجته، ويترفع بها عن الحاجة للناس وسؤالهم! وكم من فتى أو فتاة يطلبان زواجًا، ويسعيان إليه ويتمنيانه، أو زوجين يطلبان ذرية، وقد طال حرمانهما، وقد طرقا أبواب الطب، ولمَّا يرزقا بعدُ ما تمنَّوا، وغير ذلك من صور الأماني والحاجات التي يطلبها الناس، وقد لا يُرزَقون ما يطلبون، أو يتأخر رزقهم به! إن السبب في ذلك - أيها المباركون - غياب الصدق مع الله، فلو صدق ذلك الإنسان مع الله تعالى حقًّا، لنال مراده، وإنما كان ما أراد أمانيَّ، علِم الله عدم الصدق فيها، فلم يوفَّق صاحبها لمراده، ويَنَلْ مبتغاه.
أيها الفضلاء؛ كم من صاحب حاجة يدعو لله تعالى بحاجته، ولم تتحقق، وربما ضجر وهجر الدعاء أو أقلَّ منه! وكم من مريض يطلب الشفاء من مرضه بالأدوية والعقاقير الطبية، ثم نُصح بالرقية بالقرآن الكريم ولم يحصل له الشفاء؛ والله تعالى يقول: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء: 82]، وقد يُنصح بالتداوي بالعسل، وهو شفاء؛ لقول الله تعالى عن النحل: ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾ [النحل: 69]، أو يتداوى بماء زمزم؛ الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ((طعام طعم، وشفاء سقم))، ومع استعماله لطلب الشفاء لا يشفى، ما السبب في ذلك؟ إن السبب في ذلك - أيها المباركون - غياب الصدق مع الله تعالى في طلبه وإيمانه الصادق، بإجابة الله تعالى للدعاء، فإنه جل وعلا لا يستجيب من قلب غافل لاهٍ؛ كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولو صدق ذلك الإنسان مع الله تعالى حقًّا في الاستشفاء بالقرآن، وماء زمزم، والعسل، وآمن إيمانًا صادقًا بأن الله تعالى جعل فيهم الشفاء، ولم يكن لديه أدنى شك في ذلك، لنال مراده، وإنما كان قلبه منطويًا على تعلقه بغير الله، فلم يوفق لمراده ويَنَلْ مبتغاه.
قال السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ [محمد: 21]: "إن العبد ناقص من كل وجه، لا قدرة إلا أن أعانه الله، وأن العبد المؤمل للآمال المستقبلية، مع كسله عن عمل الوقت الحاضر شبيه بالمتألي الذي يجزم بقدرته على ما يُستقبَل من أمور، فأحرى به أن يُخذَل، ولا يقوم بما همَّ به ووطَّن نفسه عليه.
إخوة الإيمان؛ الصدق مع الله تعالى باب عظيم لنيل المراد، وتحقيق الْمُنى، وتحصيل المقصد في جميع الأمور، وإذا غاب أو اعتراه ما يشوبه، تخلف المراد والمقصد والهدف عن التحقق، فالله الله في مراجعة أنفسنا ويقيننا بالله تعالى، وصدق اعتمادنا عليه، وحسن اللجأ إليه، فالخير بيده، لا مانع لِما أعطى، ولا معطي لِما منع.
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|